الشيخ محمد رشيد رضا
108
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الرياسة والسلطان على الناس ، ورأوا من دعوة الرسل في عصرهم ان اتباعهم إياهم يجعل الرئيس منهم مرءوسا ومساويا لضعفاء المؤمنين في جميع الحقوق والمعاملات ، وقد يكرّمون عليه بما يفضلونه به من التقوى وصالح الاعمال ، وكذلك حال من على مبة من الرؤساء والزعماء بشجاعتهم أو ثروتهم أو عصبيتهم . فهؤلاء كانوا يكفرون بالرسل كفر كبر وعناد يقلدهم فيه كثير من أتباعهم تقليدا فيغتر كل منهم بما يعتز به من التعاون مع الآخر . وكان عصر الخلفاء الراشدين نحوا من عصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه المساواة ولكنه اختلف عنه بما تجدد للاسلام من الملك والثروة والقوة ولم يكن ذلك مانعا لجبلة بن الأيهم من الارتداد عنه لما علم أن عمر يقتص منه لاحد السوقة وأما غرور أهل هذه الاعصار بالدنيا المانع لهم من اتباع الرسل فهو ما غلب عليهم من الاسراف في الشهوات المحرمة والجاه الباطل المذمومين في كل دين وقد زالت من أكثر البلاد الحكومات الدينية التي كان أهل الدين يعتزون بها وحل محلها حكومات مادية لا يرتقي فيها ولا ينال الحظوة عند أهلها من يتبع الرسل ، بل لم يعد هذا الاتباع سببا من أسباب نعيم الدنيا ورياستها المشروعين ، فما القول بالمحظورين وهذا على خلاف الأصل في الدين فإنه شرع ليكون سببا لسعادة الدنيا والآخرة ولكن الناس لبسوه مقلوبا حتى جهلوا حقيقته ولا سيما دين الاسلام الكامل المكمل المتمم بجمعه بين حاجة الروح والجسد وجميع مصالح الاجتماع والسيادة بالحق . ولو كان للاسلام ملك قوي في هذا العصر لقل في اللابسين لباسه النفاق والفسوق ، دع الكفر والمروق - ولدخل الناس فيه من سائر الأمم أفواجا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ أي وشهدوا في ذلك الموقف من مواقف ذلك اليوم إذ تقوم الحجة عليهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين بتلك الآيات والنذر التي جاء بها الرسل ، إذ لا يجدون فيه مجالا للكذب والمكابرة ولا للتأويل . وليس الكفر بما جاء به الرسل محصورا في تكذيبهم بالقول ، بل منه عدم الاذعان النفسي الذي يتبعه العمل بحسب سنة اللّه تعالى في الطباع والاخلاق وترتب الاعمال عليها ، فالكفر نوعان : عدم الايمان بما جاء به الرسول ، وعدم الاسلام له بالاذعان والعمل والذنب العارض لا ينافي الاسلام كما فصل مرارا